"طريق سعيد... أو أقل"

Name:
Location: جنين / القاهرة, فلسطين / مصر, Palestine

أوقفتني وقالت: ليس الكلام في الكتب،،، الكلام في الناس

Friday, September 01, 2006

من "الشعبوية" إلى "الشعبية" (حوار

من "الشعبوية" إلى "الشعبية" (حوار

سعيد أبو معلا**

الحروب هي لحظات فارقة، استثنائية تمامًا، ومن لا يتقن الحساب فيها يدمره حدثها، والحرب السادسة على لبنان تثير أسئلة كثيرة في الذهن وعلى مستويات كثيرة.

المهم هنا، بعد أن توقفت الحرب وبدأت حرب من نوع آخر هو أن نثير الأسئلة ونقرأ الأحداث والتداعيات والاحتمالات وإمكانيات الاستفادة.

وفي هذا الحوار لن نسير بعيدًا عن دعوات الاستسلام التي رفعها بعض المثقفين، لكننا سنقترب من الناس أكثر؛ للتدقيق فيما تركته الحرب عليهم، فهم قوة الفعل الأولى بتراجع دور الدولة العربية وانسحابها.

وفي هذا اللقاء مع الدكتور أحمد عبد الله وهو ناشط في مجال مؤسسات المجتمع المدني والإعلام البديل يؤكد على نقاط كثيرة، منها أن الشرق الأوسط الجديد هو ما نريد، وبمقدار ما يرى الناس أنهم متفرجون بلا عمل بمقدار ما سيكونون وقود الحريق في الشرق الأوسط المقترح.

ويرى د. عبد الله أن من تحرك لدعم لبنان والمقاومة في الغالب ليست الكيانات التي تسمي نفسها المجتمع المدني الرسمي بل الناس، والمجتمع المدني أصبح هنا الناس.

وطالب كذلك بإعادة الاعتبار لمفهوم الجهاد حتى نتخلص من عقدة "كل شيء أو لا شيء" حتى نستوعب معاني الجهاد كافة ونمارسها.

كما يشير إلى أن ما يراد لحزب الله لن يحدده حزب الله وحده أو اللبنانيون، بل يحدده الجمهور العربي كله.


* عبارة مهمة لفتت انتباهي ربما لا يؤمن بها الغالبية تقول: "إن مستقبل المنطقة يرتبط بمستقبل العمل الشعبي"، ما رأيك؟

الشرق الأوسط الجديد هو ما نريد، وهذا يعني بالضرورة أن دور الناس والرأي العام في تحديد المستقبل كبير جدًّا. الأحداث الأخيرة أظهرت أن هناك مشروعين على الأقل، أمريكي وهو عبارة عن حملة علاقات عامة ودعاية وحرب نفسية وإعلامية، يشبه سحر فرعون حيث استرهبه الناس، وللأسف فهناك الكثير من المحللين والمنظرين يلتقطون كلمات المشروع ويأخذون بالتساؤل عن شكل الشرق الجديد، وماذا عساه يكون؟ وكأن رأي أمريكا حكمًا وقدرًا، والواقع أنها مجرد خطط ولن تطبق إلا إذا أردنا ذلك.

المشروع الأمريكي واضح، يتحرك في العراق ولبنان، وعنده محاور مثل استخدام البُعْد الطائفي، وهذا واضح في العراق، ولبنان ليست بعيدة، ثانيًا: دعم الأنظمة المستبدة، وإفشال مبادرات الديمقراطية والإسلام السياسي وتجاربه، وتقليم أظافر كل محاولات الممانعة.

أين الجماهير من هذا المشروع؟ أين موقعها؟ هذا هو السؤال، هي متفرجة، وتعاني وتضرب فيما يضرب، وتنهب فيمن ينهب.

المشروع الثاني نقيض الأول، له بدايات، وحجر الزاوية فيه هو الناس، والرهان فيه على الوعي، والمطلوب أن تلتف الجماهير حول بدايات مشروع المقاومة وتحتضنه، بحصول ذلك سنكون أمام شكل عملي لمشروع آخر، وهو ليس بعيدًا عن نقاط المقاومة مثل حزب الله وحماس، وليس بعيدًا عن الجهود السياسية الإسلامية في أماكن مختلفة.

دور الناس يمتد لمساحة الفعل عبر اجتهادات ومبادرات كالدعم المادي والمعنوي والإعلام الشعبي، وكل ما يندرج تحت عنوان "الجهاد المدني". وبمقدار الوعي والتحرك بمقدار ما نساهم في صياغة هذا المشروع، وبمقدار ما يرى الناس أنهم متفرجون بلا عمل بمقدار ما يكونون وقود الحريق في الشرق الأوسط المقترح.

حتى الآن هناك بدايات واعدة وجيدة لتحرك الجمهور، لكن هناك أفكار مسمومة وملغّمة من قبيل شيعة وسنة، أو أن لبنان بلد الفساد والدعارة، أو أن الفلسطينيين باعوا بلدهم، وهي أفكار تطفو في هذا الوقت. وبالتالي علينا الاستمرار بالفرز والتوعية، والفلترة والتنظيم والهيكلة والتنظيم وإلا سيكون ما يخطط الغير لنا.

الناس هم المجتمع المدني
*
حديثك السابق يرتبط بالتجدد في الفعل، والتجدد يرتبط باستمرار الطاقات، كيف نضمن ذلك باستثمار فرح اللحظة؟

الفيض لا يستمر إلا إذا انتظم في مسارات، مصر عانت من فيضان النيل منذ أيام الفراعنة، ولم يستفد من النيل إلا عندما أنشئ السد العالي، وبالتالي يجب أن يكن هناك مسارات وشبكات وبرامج وعمليات وإلا سنكون مثل فيضان النيل.

كي يكون هناك سيناريو آخر غير الفيض علينا وضع سيناريو بديل نستثمر اللحظة فيه. اليوم نلحظ أن من تحرك لدعم لبنان والمقاومة في الغالب ليست الكيانات التي تسمي نفسها المجتمع المدني الرسمي، فالكيانات التي تتلقى دعمًا ولها إمكانيات، وهي مفارقة مدهشة، لم يُسمع لها صوت ولم يُرَ لها جهد، من تحرك هو الناس والمجتمع المدني أصبح هنا الناس.

* غياب دور الدولة الوطنية أبرز دورًا يتوسع الحديث عنه دون أن يشهد تفعيلاً يناسب مع حجم المصيبة، أي خيار المجتمع المدني وهو خيار مستقبلي وضرورة مُلحّة آنية يستحق الانتباه؟

اليوم نجد أن هناك كلمات بحاجة لإعادة فك وضبط شفراتها مثل: ماذا نقصد بالمجتمع المدني؟ هل نقصد الجهود الأهلية الحقيقية أم دكاكين ومؤسسات كبيرة لم تفعل شيئًا.

المجتمع الذي قام وتحرك كانت تنقصه الشبكات، قام بعمل جميل، لكنه غير منظم وغير منتظم وغير مستمر، وبالتالي السؤال: كيف يتحول الفيض بدلاً من الانحسار إلى مسار واستثمار. فالتحدي أمام تحركات مناصرة المقاومة هو الانتظام في مسارات والاستثمار في مشاريع لها صفة الدوام، دون ذلك هي مهددة بالانحسار، كما حصل مع الفيوضات الجماهيرية في الفترات السابقة.

هنا نجد أن كلمة الإسلام بحاجة لضبط، فهناك من كان تحت لافتة الإسلام ممن يمانع ويقاوم، وهناك من كان يتكلم عن شيعة وسنة ويدعو لعدم النصرة.

وحديث الطائفية هذا هو قمة رأس الجليد؛ لأنه يتلاقى مع بعض الأفكار الغريبة عن الشيعة، فالمعرفة عن الشيعة مأخوذة بطرق غير صحيحة، والمواطن يركب الفتاوى على ما يشاهد، فهو يرى أن الشيعة شيء مختلف، وهذا يردنا إلى ثقافتنا عن المختلف الذي نراه شذرًا، فيظهر الشيعة كالبطة السوداء في وسط بقية البط الأبيض، وهنا المشكلة التي تحتاج لوعي.

* هناك خلل كبير في الوعي الجماهيري فيما يتعلق بطبيعة الفعل المؤثر، حيث نبخس الأفعال الصغيرة التي تكون فعلاً كبيرًا ونطالب دومًا بفكرة الفعل الكبير والقوي، ونتناسى أن العمل المقاوم هو عمل منظومة، مؤسسي، كيف نغير ذلك في ضوء الأزمة الأخيرة؟

أنا مهتم كثيرًا بهذه الفكرة منذ مدة، وتحديدًا احتقارنا للأفعال البسيطة، نحن نفكر بمنطق كل شيء أو لا شيء، إما أن نرمي إسرائيل في البحر أو أن ننتظر ونجلس، إما أن نُستشهد في الميدان أو أن ننتظر ونندب حظنا، وهي فكرة تحمل في طياتها خطر في فهمنا لمفهوم الجهاد ذاته.

ما هو الجهاد؟ هو مفهوم بحاجة لإعادة تعريف. فهو يبدأ من جهاد النفس وينتهي بالجهاد في سبيل الله، وهذه القيمة هي ذروة سنام الإسلام، هنا نحن بحاجة لإعادة التفكير في قيمة الجهاد وطبيعة الفهم له كي يتضح الكلام السابق، سيظهر لنا بإعادة التفكير بذلك أن "من خلف غازيًا في أهله فقد غزا"، ومن يسقي بالحرب هو كمن يتقدم الجنود. "أن الله يدخل في السهم الجنة ثلاثة نفر: صانعه ومناوله وراميه". وهذا يؤكد أن الجبهة الداخلية مثل الجبهة الخارجية.

كما أن الجهاد عملية مستمرة تعيشها الأمة ليس وقت الالتحام فقط، الجهاد أدوار مختلفة فهو أولاً طريقة تفكير. وهو أدوار مستمرة، وحياة، ووجهة نظر وإدراك وعلاقة بالأشياء والماديات.

الجهاد هو علاقة بالحياة والماديات، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما قُدّم له شراب اللوز قال: "وخّروه عني إنه شراب المترفين"، وهنا سنجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم خيار الفقر الاختياري، يختار أن يعيش بحالة من التقشف وأن يكون فقيرًا وهي جزء من منظومة الجهاد، وحياة المجاهد، فالمجاهد لا يعيش في حياة ترف دنيوي، بل يجب أن يكون دومًا على استعداد للتضحية والبذل والعطاء.

الحرب على الوعي، الحرب على النفسية، كلها جوانب تتكامل لتعمل منظومة الجهاد عليها، الجهاد ممارسة في التفكير والغناء والقيام بدور إعلامي وهذا لا يكون حالة استثنائية، بل طريقة تعاطي مع الحياة. إذا فهمنا ذلك سنتخلص من بقية الأفكار السلبية. فأي فكرة وبمبادرة شخصية يمكن أن تغير مجريات الأمور في الحرب.

المواطن وحركة المشاة

* أدوار المواطن يجدر بها أن تختلف، فمثلاً: نموذج المواطن الصحفي ظهر اليوم بقوة، فهو يقوم بدور مهم كتوثيقحاجة جماهيرية، في ضوء تحول قطاعات كبيرة من الإعلام إلى أبواق كاملة للسلطة؟

يجب أن نفهم أن جزءًا مهمًّا من الحروب هو حرب إعلامية، وهي متداخلة مع الحرب النفسية، وهناك ثلاثة أنواع للقوة: الصلبة (السلاح)، الناعمة (الدبلوماسية)، والقوة الذكية، وهي التي تقرر متى نستخدم أيًّا منهما، وكيف ندير العلاقة بينهما.

الإعلام هنا جزء كبير في القوة اللينة أو الناعمة، مثلاً تلعب الصورة دورًا كبيرًا جدًّا في نقل الحدث أو تركيبه أو تزييفه، وهذا يؤثر على مجرى الحرب، فيمكن أن تكون منتصرًا على الأرض، لكن الإعلام يظهرك منهزمًا وتصبح كذلك.

السؤال هنا: ما هي إمكانياتنا الإعلامية؟ لدينا إعلام حكومي، لا فائدة منه، وإعلام يحاول أن يكون مستقلاًّ، ويقوم بدور كبير، لكنه غير كاف، وهذا الأخير أشبه بالمدفعية الثقيلة أو القصف الجوي، وأمام حقيقة أن لا معارك تحسم بالقصف الجوي، يكون لا بد من حسم المعركة بحركة المشاة. وحركة المشاة هي الإعلام الشعبي، وهي حرب شوارع وعصابات، من بيت لبيت، ومن غرفة لغرفة، ومن عقل لعقل، ومن فكرة لفكرة والمواطن هو بطلها، فيقوم بتوثيق الأفكار والأحداث ويناقشها ويتحدث عنها ويتحاور حولها ويصححها. وهناك أمثلة من المدونين في مصر قاموا بتغطية أحداث مناصرة الانتفاضة بشكل تعجز عنه مؤسسات إعلامية. فالإعلام الجماهيري لا يربح معركة وحده، والتعويل عليه فشل ذريع.

هنا نلحظ أن إسرائيل تجبرت لغياب الوعي العالمي بما يجري، لو وجد الوعي لخرجت المظاهرات بالملايين ولتغيرت الموازين، وهنا دور المشاة وإعلام المواطنين، ولا سيما أن هناك ثقة كبيرة في إعلام المواطنين، وبالتالي علينا التعامل مع الأفكار، وتوفير المعلومات لتصبح في يد الجميع.

من الشعبوية إلى الشعبية

* الخطاب العربي المضاد للخطاب الرسمي يوصف بأنه "شعبوي"، وحماسي عاطفي "هدام" لا يخرج من دائرة الشتم وبث اليأس إلى دائرة الفعل الإيجابي، ما الذي يتركه ذلك في مساحات الوعي لدى الجماهير العربية؟

الواقع هو حالة مختلطة، فيها أفكار ومشاعر بنّاءة، وأخرى سلبية. لو اعتبرنا أنفسنا أننا لسنا جزءًا من الفعل سنبقى دون عمل وممارسين للخطاب الشعبوي، أما إذا تجاوزنا ذلك من الحكي إلى الفعل، أي نتكلم ونقول ونسأل عن القول نتحول إلى ناشطين وشعبيين، أي نصبح مواطنين فاعلين وليس قوالين، ونحن نحتاج تلك النقلة.

المسألة الثانية تتعلق بالنقد الذي يوجّه إلى الخطاب الشعبي وهو من مستويين، الأول جيد وعنده حق، ومستوى سلبي يتضمن احتقار كل ما هو شعبي لمصلحة كل ما هو نخبوي.

أنا أثق في الناس وأحبهم، دوري أن أشجع العمل الإيجابي وأقوّم العمل السلبي. فعندما يتحرك الناس يجب أن أكون معهم، ناقدًا وفاعلاً ومتفاعلاً.

الكلام الحماسي والعواطف يجب أن تؤطّر وترشّّد، لمصلحة الفعل، أي من الكلام إلى إطلاق المواقف والمبادرات. وأي يقظ يجد في كلام السيد حسن نصر الله عندما قال "كفوا عنا" دعوة تلقائية لإطلاق ملايين المبادرات، كل واحد يخرج بمبادرته الخاصة؛ لتوضع على محك الفعل.

السؤال هنا وسط المبادرات الفردية الكثيرة والتحركات الشعبية هو كيف يمكن أن يستمر هذا الفعل؟ هذا الذي يخرجنا من الشعبوية إلى الشعبية.

المقاومة وانتصار اللادولة

* يبرز مما يجري أن هناك مهمة كبرى على الأحزاب أو الحركات العربية وتحديدًا تلك التي تتبنى مشاريع مقاومة كفعل مسلح وكفعل معنوي حضاري، الأحزاب العربية بدت ضعيفة فيما كان الشارع يغلي ويتألم، هناك مشكلة عميقة بين الحركات وقادتها من جهة وقواعدها الشعبية، كيف يمكن أن تؤثر الحرب إيجابًا عليها؟

بالنسبة للأحزاب، في 1994 اشتركت في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية، والمؤتمر كشف لي ولبعض المشاركين معطيين مهمين جدًّا:

الأول: أن العالم الذي في ذهننا وإدراكنا هو مختلف عما هو في الواقع، فأدمغتنا تحتوي صورة مشوهة عن الواقع، فالصورة التي نكوّنها عن العالم تكاد تكون لعالم آخر غير الذي نعيشه، وهذه فجوة في الإدراك.

ثانيًا: أننا نفتقد مهارات فك شفرات هذه العالم الذي يتحرك ويتطور، وهذا يجعلنا نجهل التعامل معه والإنجاز فيه. نحن نكاد لا نرى فرص في هذا العالم؛ لأننا لا نقرؤه، وكذلك لا نعي تحدياته، ولا نعرف لغته، ولا كيف يتحرك. فلا نعرف فك رموزه ولا نتعاطى معها، وبالتالي لا نمتلك قدرة كبيرة على التأثير.

الحرب الأخيرة كشفت ذلك بما يخص حال الحركات والأحزاب العربية والإسلامية، أما فيما يخص مقاومة حزب الله فقد تمت في إطار العالم الجديد كليًّا. والأحزاب العربية لم تَفِق على هذه الحقيقة.

ويلحظ المتابع أن الحركات والأحزاب تطرح من ضمن الكلام السائد مصطلح الدولة، وأن الحزب دولة داخل الدولة، والحزب فككها، لكن على النقيض لا يقول أحد أن انتصار المقاومة هو انتصار اللادولة، فحيثما كانت دولة ارتبطت الهزيمة بها، وهذه إشكالية على من يريد أن يحلها ويحللها ويتحدث بها البحث فيها.

إذا بدأنا من هنا نكون في العالم الجديد، عندها نكون أمام الأسئلة، ونبحث عن إجابات وحلول، فانتصار حزب الله هو جزء من العالم الجديد، أي بكيان صغير عالي الكفاءة ينتصر على كيان ضخم يمتلك أعتى الأسلحة، فانتصاره ليس خارجًا عن العالم الجديد وسننه، من يرى النصر معجزة خارقة للسنن يكون غير واعٍ لكيفيات عمل وتحرك العالم الجديد.

وحزب الله في ذلك بينه وبين بقية الحركات الإسلامية سنوات، خطابه وطريقة إخراج المعركة على الأرض والشاشة تدل على أن هؤلاء الناس هم السابقين في إدراك هذا العالم الجديد.

من يحدد مصير المقاومة؟

* لكن نلحظ ما يراد بحزب الله، بعد تجربته التي أكدت أنه ينتمي للعالم الجديد، يتكالب الداخلي عليه والعربي والعالمي؟

ما يراد لحزب الله لن يحدده حزب الله وحده أو اللبنانيون، بل يحدده الجمهور العربي، منضدة الاجتماعات في مجلس الوزراء التي يجلس عليها الفرقاء اللبنانيون، وإذا استمرت هذه المنضدة على شكلها اللبناني سيصبح لحزب الله شكل ومسار، وإذا فقدت الحوائط الأربعة وأصبحت مفتوحة على العالم العربي سيصبح لها مسار نحن نحدده معًا.

بعد الحرب حزب الله ليس شأنًا داخليًّا لبنانيًّا، بل شأن العرب والأمة جميعًا، لبنان دفع ثمن هذه الحرب عن الأمة، وبالتالي لبنان لا يجب أن يدفع كل مرة فاتورة المواجهة لوحده. فشأنه أكثر أهمية من أن يترك للبنانيون أن يقرروا وحدهم.

وهم بالمناسبة لم يكونوا لوحدهم، هم دولة مواجهة صحيح، لكن الحرب كانت موجهة لكل العرب والمسلمين، وهنا إعمار لبنان وإنقاذه اقتصاديًّا هو مسئولية كل العرب. هنا جميعنا يجب أن نسافر إلى لبنان، هذا حق وواجب لنساهم في إعماره، والمسألة هنا ليست وضع يد، بل واجب.

* ماذا عن الوعي بذلك، ومن ثَم ترجمته لممارسة حقيقية؟

المسألة تبدأ بالإدراك، إذا أدركت أن لك نصيبًا في تحديد مصير حزب الله سيكون لك ذلك، وإذا لم تدرك فلن يكون.

في البرمجة اللغوية العصبية هناك قواعد، منها: "إذا كنت تعتقد أنك تستطيع فأنت على حق، وإذا اعتقدت أنك لا تستطيع فأنت على حق أيضًا". هنا كيف يمكن تغيير الإدراك، ليتطور ليشمل الدور والتكوين، أي المسافة بين الوعي والفعل.

ما حدث في لبنان وجّه للعرب جميعًا لكسر إرادتهم جميعًا، وبالتالي كل حجر تفتت يجب أن يُبنى ويعود أفضل مما كان، وهذه مهمة كل عربي ومسلم، ومن لا يفهم ذلك ليس لديه مروءة.

* نموذج حزب الله ناجح، ومُعَدّ ومنظم، كيف يؤثر هذا النموذج على وعي الجماهير؟


حزب الله نموذج ودرس مُوحي في عدة أشياء، فهو حزب قارئ للعالم الجديد، مثلاً: الاجتماع الدولي الوحيد الضخم الذي كان لمنظمات مناهضة الحرب كان في لبنان، وكان حزب الله طرفًا أساسيًّا فيه.

ومن خلال زيارتي للبنان وحواراتي الكثيرة أقول إن حزب الله من أوائل الثمانينيات بنى شبكات اجتماعية وأهلية، كما أسّس مصداقية على الأرض. فمن ضمن أساليب تأسيس شرعيته أسس لشبكة خدمات على الأرض كرعاية الشهداء، ومدارس ومستشفيات وتكافل اجتماعي... إلخ.

وفي الحرب لم يكن المواطن وحيدًا في العراء، بل كان تحت مظلة من الشبكات الخدماتية، كما كوّن طاقات بشرية يمكن أن تقدم رسالته، فلديه قناة فضائية، إذاعة، وصحف، وهذا ظهر بالحرب، فلم يكن يقاوم المقاتلون في الميدان، بل كل شبكات الحزب خاضت المعركة.

المواطن بين المعاني والمباني

* بشاعة ما حدث كيف يؤثر على الذاكرة الجمعية وإدراكها لمنطق ما يجري حولها، حيث يحاول العدو أن يشكل التاريخ بنفس الأمثولات القديمة من وحشية وبربرية وقصف وتدمير؟

العدوان تركّز على ما استطاع أن تصل إليه يديه، وهو المباني، وهذه يمكن تجاوزها، المشكلة تكون إذا وصل التدمير للمعاني وأصابها بضرر كبير.

إذا منحنا المباني قيمة واعتبار حتمًا سيؤثر علينا تدميرها، وسيصل الدمار لنفوسنا، وهذا يرجعنا لمفهوم الجهاد، فإذا احتل البيت في داخلك شيء كبير فإنك ستتأثر لذلك لو تدمر، وهنا يُعَدّ الجهاد منظومة تفكير متكاملة تجاه الحياة.

ومن يبني البيوت والأسواق بشكل لا يستطيع أن يتحمل هدمها سيعاني في أي مواجهة، كون المباني تحتل أجزاء كبيرة من نفسه ووجدانه. وبمقدار ما يستطاع التقليل من ارتباط المعاني والمباني يزداد تماسك المجتمع اللبناني حول المعاني ويبني المباني، سلامة المعاني ضروري وهذا مرتبط بالثقافة والمنظومة. مسألة الدعم المادي والمعنوي تقود إلى التقليل من أثر التدمير على الإنسان.

المعركة بدأت، توقفت عسكريًّا وازدادت مدنيًّا، ومن كان ينظر للبنان لا يفترض به أن يشيح بنظره عنه بعد انتهاء الحرب، بل يجب أن نتوجه إليه دومًا، فالأدوار الكثيرة بدأت بعد أن توقفت الحرب.

* نصيحة بديلة تطرحها للشباب العربي فيما يتعلق بالبحث عن مساحات جديدة يمكن أن يجد فيها نفسه ويدعم القضية التي يدافع عنها ويريد لها أن تنتصر؟

حرب لبنان يمكن أن تكون مقدمة لعالم عربي أفضل بكثير مما حلمنا به، بدايات هذا كثيرة، لكن هذه البدايات والفيوضات والومضات تحتاج إلى محاضن وخطط وخرائط وعمليات حتى يمكن أن تتطور وتزدهر وتتنامى.

كل من هو معجب بالواقع الذي نعيشه "حلال عليه"، وليستمر بنمط حياته، وكل من لا يعجبه هذا الواقع له بالمقاومة سهم ونصيب، ويجب أن يذهب ويأخذهما. هذه دعوة لكل من لا يرضى عن واقعنا الصعب فلهم مما حدث حكم ونصيب، فعل وتفاعل، فرح وابتهاج.

أختم بجملة كتبت على غلاف مجلة "الشراع اللبنانية" بعد تحرير الجنوب وكان غلافها يقول: "أما زال النصر ممكنًا؟" ما حدث في الحرب الأخيرة يجيب على هذا السؤال لمن يعنيهم الإجابة، ومن هو معني نقول له إن النصر ممكن.. وحصل، ولكن، هناك معاني كثيرة لاستثمار هذا النصر.

Monday, August 21, 2006

الطبيعة كمصدر للتجربة الروحية.. مقال باولو الأسبوعي

صرخة في الوادي
قرر رجل أن يبدأ رحلته للبحث عن الله،وطلب نصيحة رموز دينية مختلفة من كبار السادة في مضمار المعرفة الدينية الذين يقولون بأنهم يعرفون الحكمة من خلق الكون والقدرة علي شرح ما يريده الله من البشرية."ولكن من علمكم هذه المعرفة ، سألهم الرجل، هل هو الله بذاته . رد المعلمون في كلمات منمقة وبديعة دون أن يقدموا للرجل إجابة واضحة همن علمهم المعرفة التي يعظون بها الناس في جهات الأرض الأربع. لذا فبعد عدة أيام من السؤال هنا وهناك وتلقي إجابات مختلفة قرر الرجل أن ينطلق في رحلته، ومر في طريقه بواد أخبره الفلاحون فيه أن هناك جبل قريب يكلم الله فيه من اقترب وسعي إليه. فشد الرجل الرحال إلي الجبل ، ومكث ثلاثة أيام يصلي ويصوم لكن الله لم يتجل عليه.وفي اليوم الرابع أصابه اليأس فصرخ: أين أنت!؟ وأجابه رجع الصدي: أين أنت .وحينها أدرك الرجل أن الله يسأل نفس السؤال وأنه أيضا...يبحث عنه.
الثقافة والتأمل
في التراث الصوفي أن فيلسوفا كان يعبر النهر في قارب، وفي هذه الأثناء حاول أن بستعرض معرفته أمام البحار:" قل لي..هل تعرف كتاب (كذا) من كتب الفلسفة. رد البحار: لا لكنني أعرف أن الطبيعة علمتني أن أجيد عملي .رد الفيلسوف: فاعلم إذا أنه قد فاتك نصف عمرك! وفي قلب النهر اصطدم القارب بصخرة . وفي حين كان البحار يسبح نحو الشاطيء نظر للفيلسوف فوجده يغرق."أنا لا أعرف العوم! صرخ الفيلسوف في يأس، وردد: لقد اتهمتك بأنك قد فاتك نصف عمرك لأنك لم تقرأ كتابا في الفلسفة وها أنا يفوتني عمري كله لأنني لم أحصل معرفة بسيطة مثل استقراء تيارات النهر و تعلم كيفيةالسباحة فيه.
بالليل والنهار
جمع المعلم الصوفي تلاميذه وسألهم كيف يمكن التعرف علي اللحظة التي ينتهي فيها الليل."عندما نري أول شعاع للشمس في الأفق قال أحدهم.رد المعلم: خطأ! إن اللحظة التي ينتهي فيها الليل هي اللحظة التي يمكننا أن ننظر فيها في عين من يجاورنا فندرك أنه أخ لنا، اللحظة التي نستطيع فيها أن نقوم من الفراش دون أدني إحساس بالذنب علي ما فعلنا في اليوم السالف،اللحظة التي نستطيع فيها أن نقرر أنه مهما كان الثمن فإننا لن نفعل إلا ما يرضي الله. وما لم نستطع أن نفعل ذلك سيظل الليل مرخيا سدوله حتي لو كانت الشمس ساطعة بالخارج.
زوان زيو يتحدث عن الطبيعة
حين يأتي الشتاء فإن الأشجار تتنهد حين تري أوراقها تتساقط.تقول الأشجار: لن نعود أبدا كما كنا. بالطبع، وإلا فما الفائدة من تجدد الأوراق مع مضي الفصول، فالأوراق الجديدة سيكون لها شخصيتها ، وستنتمي لصيف جديد يقترب ولن يكون أبدا كسابقه الذي انقضي.هذا درس نتعلمه من الفصول وتبدلها كل عام ولا شك أن التغيير قد يتضمن اجتياز مرحلة من الاكتئاب: فنحن لم نتعرف علي الجديد بعد ويجب أن نتعلم كيف ننسي القديم.لكن لو تحلينا ببعض الصبر ، فإن الربيع يأتي بعد انتظار وحينذاك ننسي الشتاء ومشاعر اليأس.فالتغير والتجدد سنة الحياة، ويجب أن نعتاد علي ذلك حتي لا نحزن من الأمور التي إنما خلقت لتمنحنا السعادة.

القط... الذي يقاتل



بالصدفة لاحظت الصورة
كيف يمكن ان نقرأ الصورة؟
هنا لن ادخل في تفسير مضمونها، فهو واضح، رغم اللعبة التي قام بها مصصم الفوتوشوب حتى تبدو كما هي عليه الان
لكن بالمجمل
حتى لو تخيلنا القط بلا كلاشنكوف فإنه حتما سيبدو مستعدا للمقاومة
هنا مكمن السر
تأملوا يرعاكم الله
وبدون تعليق كمان
___ انتهي ___

Sunday, August 20, 2006

لبنان والدم .. وأسئلة الفن العربي


لبنان والدم... وأسئلة "الفن" العربي


لا تتوقف لحظة العدوان على لبنان عن كشف الجديد بتوالي الأيام والألم والوحشية، فهناك غير ما تعارف عليه أهل السياسة، من أن هذه اللحظة فارقة وكاشفة وفارزة سياسيا على المستوى العربي؛ وذلك بأهميته يجب ألا يحجب مكاشفات على صعيد الحدث الفني والغنائي، والفعل الثقافي عامة.
الحالة الفنية العربية تطرح سؤالين جوهريين:
الأول: كيف نفسر مضي شهر بالتمام والكمال على العدوان دون أن يظهر أي عمل فني إبداعي يرضي ويسد حاجة الشعب الذي يحارب ويباري وينتصر وينهزم أمام شاشات التلفاز يوميا على إيقاع "حفلة" الدمار الصهيونية؟!.
وكيف نفسر تلك العودة السريعة لبعض ما هو موجود في أدراج الفضائيات العربية، وفي ذاكرة المطربين من أغان وطنية وأعمال فنية كان لها دورها ومجدها في فترات "مأساوية" سابقة؟
الثاني: من وحي الصيف وحفلاته؛ كيف نفسر تأجيل مختلف الفعاليات الفنية؛ كمهرجان قرطاج في تونس، والمحبة والسلام في سوريا، ومهرجان المسرح المستقل في مصر، ومهرجان جرش في الأردن إلى غير ذلك من الحفلات الفنية
التي تنظمها دول ومؤسسات فنية وثقافية خاصة؟
الفنان.. وأنغام المدافع

على مستوى المحور الأول يخرج المتابع بأن ما تشهده الساحة الفنية العربية ليس حالة من الارتباك الفني فقط، بل حالة موت، توقف خلالها الجميع. تطور الأمر ليشكل حالة من الانتظار والترقب، والجلوس أمام الشاشات في انتظار انتهاء الحرب بسرعة؛ كي يعود كل شيء إلى ما كان عليه.
الفنانون كغيرهم انتظروا توقف الحرب، توقف المجزرة؛ كي يرتاحوا قليلا من الواجب الأخلاقي الذي يمليه عليهم فنهم.
يدلل على هذه الفرضية أنه لم يستثمر هذا الشهر الكبير والطويل والثقيل والبربري والبطولي معا في ولادة عمل فني واحد يليق ويعبر عن الضحية ومراقبيها، والحدث ذاته، وما يراد أن يخرج منه.
ولربما يعود ذلك لاعتقاد "فنانينا" أن الحرب لن تستمر، ولن تكبر لتصبح كما هي عليه؛ مدمرة، مجرمة، كاسرة، وبطولية وأسطورية أيضا.
وبمرور شهر القتل والألم والمجازر خرجت القليل من الفعاليات الفنية، لكنها تميزت بالفقر الشديد، مضمونا وفنا، دورا وواجبا، وغيابا لرؤية ما بعد ذلك.
ضمادة فنية للجرح

تمكن نصير شمه بجهد فردي من تنظيم حفل فني بعد شهر من العدوان على لبنان فيما غاب المئات من الفنانين
ربما يعتقد البعض أن الإجابة على سؤال المحور الثاني سهلة، أو يمكن أن يستحضرها الذهن بسرعة، فدائما ما يرددها مؤجلو هذه الفعاليات والمهرجانات، والجواب السهل والمريح هو أن المهرجانات والغناء لا يليق بحالة الحرب التي يتلقفها الجسد اللبناني بحرارة دمه الطازج؛ فلا يليق الغناء في ظل رقصة الموت التي يرقصها لبنان وشعبه.
النقطة الأخيرة جوهرية وفاصلة ولها بدايات أثارها الكاتب المسرحي المصري "ياسر علام" وهنا نوسع دائرة النقاش حولها، فقد قال علام: "ما معنى إلغاء المهرجان على سبيل التضامن والحداد، هل الفن ليس فعلا لائقا في ظل وجود كارثة قومية؟! وهل الفن هو هذا الفعل الترفيهي الاحتفالي الملهاوي فقط؟!"
فبالمفهوم السابق وبالسبب التبريري، فإن الفن ليس إلا "راقصة" ينبغي لها أن تحتجب في ظل الحرب، فهذا ليس دورها ولا هنا فعلها.
السبب المعلن خبيث، مبطن، يخفي حقيقة كبيرة مهمة يتجنب الخوض فيها المشرفون على هذا "الفن"، للدقة أكثر فإن ما تحتويه هذه المهرجانات هو الذي لا يليق بالحرب، لا يليق بالمشاعر الإنسانية المهدرة ببرودة، لا يليق بالألم، لا تليق ولا يمكنها أن تضمد جرح مواطن هجِّر من بيته وفقد أسرته، لا يمكنها أن تعالج حالة نفسية يعيشها مواطن يتألم ويعيش المرارة عن بعد.

فن بلا ألم

سنكتشف غدا واليوم وأمس كم نحن فقراء لفن يبقى ويستمر ويدعم حالة الصمود في حرب يراد لها ألا تبقي ولا تذر.
سنكتشف في أثناء الحرب وبعدها كم نحن فقراء لفن يليق بحجم ألمنا، ولواقع حالنا، وكم نعاني من الخواء والأحادية رغم عمليات استنساخ "المطربين"، وإنتاج أكثر من "فيديو كليب" يوميا.
فالغناء غير أنه أداة لهجاء الحرب وطلب السلام هو أحد أدوات مداواة تلك القلوب التي أثخنتها الجراح والآلام، فهو ضروري لمن يجلس على شاشة التلفاز ويحارب افتراضيا في الجنوب اللبناني، وضروري لمن يتلقف القذائف في أثناء وقوعها في باحة منزله.
وهنا نجد أن ما في المهرجانات والفعاليات الفنية لا يليق بالعدوان والألم اللبناني والعربي، وبالتالي على المشاهدين الاقتصار على متابعة القتال والمجازر عبر نشرات الأخبار دون أن يسد "رمقهم" فعل إبداعي يرتقي بهم وبمشاعرهم.
إن ما يحدث لهو أكبر إدانة للحالة الفنية التي وصلنا إليها، وتظهر مدى انقاطعها التام عما يهم المواطن العربي، وما يعيش فيه، وما يحتاجه، وما يرتقي به.
وهنا لا توضع حدود لطبيعة الأعمال الفنية التي تليق بجرحنا، وما يجب التأكيد عليه أن الغناء الخطابي والعاطفي بمجمله لا يليق أيضا.

ومن الفن ما قتل!!

ومن الفقر الفني نحاول أن نجيب عن سؤال: ما الذي يجعل المبادرات الفنية تموت؟ لتعيش على يد "نصير شمه" وبمبادرة فردية وبمطربين مغمورين في حين تختفي "النجوم"؟ ما الذي يجعل مبادرات فردية تحتاج لشهر من الدم كي تلتئم وتظهر في الأوبرا المصرية كمثال جيد ويتيم؟.
وما الذي يجعل مبادرات شباب وطني موهوب تذهب في مهب الرياح، في حين أن برامج الغناء والكشف عن المواهب أو تعريتها وزجها في سوق الإنتاج والمنافسة، كانت تستقطب الآلاف من الشباب المهووس بالغناء والتقليد.
سيقول البعض: إن اللحظة فاجأت الفنانين على اختلافهم! وكأن ألم لبنان حدث لحظي وآني، وكأن دمه الحار واللزج ليس امتدادا لألم العراق، ومن قبلهما فلسطين.
لحظة العدوان لم تغب على أرض الواقع إلا عن أعين غالبية الفنانين، وبالتالي غيبت، فيما هي حاضرة وبقوة، مستنفرة، ومخيفة في حياتنا، يوميا نشربها ونأكلها ونلبسها ونهرب من حضورها الشرس.

شيخوخة فنية!!

لا يفهم من السابق أن المطلوب هو استنفار الفن أو الدعوة ليتحول الجميع للغناء السياسي بمفهومه الضيق، بل هي دعوة لغناء يلبي حاجات المواطن، وهي حاجات لها مداخيل أبواب ومفاتيح وإبداعات لا يريد أحد -حتى الآن- أن يطأ أرضها، فالمؤلم هي تلك القطيعة بين النتاج الفني وواقعنا، بين الغناء الذي لا يمكن أن يبنى عليه وينطلق منه شعرا وموسيقى وغناء في حالة العدوان.
ما يجري ليس فقط غياب لأدب أو فن أو فعل ثقافي يحمل أبعادا لثقافة المقاومة والصمود التي تعتبر غنية بالإمكانيات والتعبيرات والأشكال الفنية، بل هو غياب فن أو أدب يليق أن يتم التعامل معه في فترة مقاومة أو حالة عدوان، بل يحدث قطيعة تامة. فكل ما كان يقوم به سابقا "فنانونا" لا يصلح أن يقوموا به في فترة العدوان.
كل ذلك يكشف حجم الهوة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، وحجم المفارقة بين المجتمع وما يعانيه وما يجب أن يكون، وتحديدا في حالة صراع حضاري على الحاضر والمستقبل.
وما عودة الفضائيات والإذاعات العربية و"الفنانين" للنتاج الفني القديم الموجود في الأدراج إلا دليل على الافتقار الشديد، وعلى ذلك الانقطاع التام بين واقعين وحاجتين.
وهي عودة وصفها الكاتب اللبناني "عبده وازن" بأنها عودة لغناء فقد بريقه بفعل اختلاف اللحظة الأليمة والمأساوية، فالشعارات والأغاني القديمة لم تعد تشفي غليلا ولا تداوي جرحا.
واتضح أنها أغنيات آنية أدت دورها في لحظتها، ولم تستطع أن تصمد فنيا وتدوم، فقد "شاخت الأغنيات الثورية شكلا ومضمونا وكلاما وموسيقى".

أين "المقاومة كليب"؟

الأهم هنا: هل فعلا ينتظر غالبية الجماهير أغاني وطنية حقيقية أو غير وطنية ترتقي بهم لما يجري وما يعتمل في نفوسهم من أسئلة ومخاوف وألم دون كذب أو زيف، وتساعدهم على مواجهة واقعهم، أم أن الصورة الذهنية التي تكونت عن الغناء في عصر "الفيديو كليب" الذي اقتصر دوره على استحضار ثنائية الذكر والأنثى متحولا إلى أغان أو "كليبات بورنو" كوصف واقعي له؟
ليس هذا السؤال تخيليا، لكنه مطروح بقوة، فالسنوات الخمسة الأخيرة راكمت وعيا سلبيا عن الغناء ذاته، ومضامينه، وما يجب أن يحتوي، ودوره في حياة المواطن، فالفن كما يقابلنا ونقابله -وفي أغلبه- هو تنميط لحالة واحدة لا أكثر، تسلية وترفيه يقابلهما حب بمفهوم ضيق وأجساد تتلوى، وفي ذلك إجحاف للفن وجمهوره وهدر لقيمته.
وكما يبدو فإن المطربين وصلوا إلى هذه القناعة، بدليل اقتصار أدوارهم على الظهور في هذه الأزمة على الفضائيات والتعبير عن مشاعرهم ومواقفهم، كالسياسيين والمحللين تماما، دون أن يكون هناك نتاج حقيقي يمكن أن يبنى عليه باستثناء ما تحفظه الذاكرة وما استدعته الأحداث من أرشيف الماضي.
الغناء للبنان ليس كلمة حب وبناء جسر حقيقي من المشاعر الراقية فقط؛ بل هو فعل يجعلنا نقترب من الحدث ولا يبقينا حوله أو خارجه
.

Thursday, August 17, 2006

العالم مليء بالورق.. لإن الكتابة فعل حب



يجدربي ان اهتم بالتفاصيل
الزمان: 3 صباح الجمعة
التاريخ: 18/ 8/ 2006
المكان: في البيت، بالضبط الغرفة الغربية التي تقابل شارع نسيت أسمه بعد ان انتهيت من الغسيل ونقاش حاد مع أصدقاء السكن الذي انتمي إليه.

بالضبط، خلف الكمبيوتر، والغرفة مظلمة، وبعد الانتهاء من حديث طويل مع الدكتورة منيرة مصباح في أمريكا على المسنجر.

طبعا، سأبدا بعد التفاصيل الكلاسيكية، وانا اكره الكلاسيك باستثناء بعض الأغاني المميزة...
سأقول قصتي مع البلوغرز
قبل سنة ونصف، أي بمجرد ان جئت لمصر التقيت بأحمد نصر الدين، رائع جدا، ومهتم بالصحافة البديلة وقضية المدونات، اقترحت عليه الفكرة وكان هو نفسه جاي يطرحها علي، عشان نكتبها مقال، وكتبتها مقال في موقع عشرينات، ولغاية الان، من سنة ونص لم أنشيء بلوغرز، أو مدونة...

يعني باختصار، نظرت للبلوغر أو المدونات دون ان أصنع مدونة...
ليش برأيكم؟
سؤال سهل وصعب معا، كل واحد فينا عنده هاي العقدة...أو الاشكالية
بين الكلام والفعل وما تجر من متواليات لفظية وتناقض على أرض الواقع...

ما لم أقله أن هذه المدونة العاشرة التي اصنعها وكل مدونة لا تعجبني كنت تركها...
يعني مجزرة مدونات على غرار مجزرة الدبابات التي نفذتها المقاومة اللبنانية في الجنوب..

فمثلا، عملت مدونات تحت الاسماء التالية:
"بنات اخباري"
"بنات أفكاري"
"الكتابة...فعل حب"
"الدلو مليء"
"طريق سعيد"
............. الخ
وكل مدونة كنت الغيها لسبب، كنت أريد مدونة كما أرسمها في خيالي...
وما زلت ابحث عنها
وكنت اتابع مدونات كثيرة، وكثيرة جدا، أقرا وأغبط اصحابها على رضاها بمدوناتهم الجميلة وتفاعلهم معها...

اليوم قررت أن لا أنام إلا واكون صانع مدونتي...
"طريق سعيد.. او أقل"
ربما طريقي أنا، وربما الطريق السعيد الذي احلم به لي ولكم، وهذه الأقل مهمة جدا، ضرورية، ركزوا عليها جيدا...
ادعو معي ان يوفقها الله... واتوفق فيها...

طيب السؤال: لماذا اليوم تحديدا اقرر، هل نزل الوحي علي، أم ان همتي تضاعفت، ام وأم وأم وأم....
القصة اني التقيت بالدكتور العزيز أحمد عبد الله، هو، بالمناسبة، من الأشخاص القلائل الذين يمتلكون سؤال الكيف؟
هو طاقة، روعة، كتلة من العمل والفعل والتنظير معا...
تحدثنا في حوار صحفي عن العدوان على لبنان وما الذي كشف لنا بتوالي تداعيات الاعتداء على لبنان، لبنان فتح الباب، لحظة كاشفة وفارزة، لم أدخل في السياسية مع د. احمد عبد الله إلا قليلا، كان همي هو كيف يشعر الشباب باللحظة، وما يجب أن نقول لهم، شباب وشابات، لقد جاء دوركم، الدور قادم، وهاهو وصل، انكشف كل شيء، اليوم والعصر هو عصر الشعوب والشباب...

قلت له قبل الحوار اريد الشاب عندما يقرأ الحوار يدرك ما الذي تغير، وكيف يمكن ان يغير بدوره، وما مساحة فعله، وكيف...
هو سؤال الكيف الذي أخبرتكم عنه...
طبعا د. احمد شجعني بطرق غير مباشرة...
لا يليق أن أقول وأجرى حوار عن دور الشباب الشعبي الجديد وانا ابقي أمارس عملي كمحرر ثقافي فقط، أي اعمل في إطار الوظيفة التي أحبها...
قلت انا أحب أشياء كثيرة غير الوظيفة... الكتابة هي فعل حب، والناس أحبهم، فلأكتب لهم حتى تكتمل المعادلة...
وفعلا ها أنذا أكتب لكم..

* * *

هناك قصة "كاتيا ناصر"، ستقولون ما دخلها...؟
أقول انها مراسلة الجزيرة التي ابهرتني بقدرتها الصحفية العالية، كانت رائعة في تأدية واجبها وكشفها عن مناطق الألم الانساني وتناقضات كل شيء في تقاريرها على الجزيرة...
كانت انسانة وصحفية معا
وعاهدت نفسي ان أكتب عنها، وساحاول الاتصال بها كي أشكرها، فمن يستحق الشكر يجب أن نقوله له...
نحن نراقب، ويجب ان ننقل ردودنا لمن نراقبهم...
كاتيا هذه الرائعة لها مقالها الخاص وروحها الخاصة وسلامها الخاص مني...

طبعا بكتب وأنا مليء بالأفكار، وهنا اشعر بالعجز عن الكتابة...

الان تحديدا جاء صديقي العزيز "معمر فيصل" وأخذ يحدثني عن كتاب اشتراه حديثا اسمه "لماذا يتمرد البشر"، قال كلام جميل ومهم، ربما أحدثكم عنه لاحقا أو أنشر عنه لاحقا...

لحظة، ساتوقف هنا، لكن قبل أن اختم وانا متأكد من أن الكلام ينام على حاجة ضارية أقول لكم عبارة أحبها ربما تلخص سر هذه المدونة:

"العالم مليء بالورق... لإن الكتابة فعل حب"...

هذه البداية، لعلها مثل العودة التي دوما نتمنى لها ان تكون أحمدُ...

__ انتهي __

العالم مليء بالورق.. لإن الكتابة فعل حب


يجدربي ان اهتم بالتفاصيل
الزمان: 3 صباح الجمعة
التاريخ: 18/ 8/ 2006
المكان: في البيت، بالضبط الغرفة الغربية التي تقابل شارع نسيت أسمه بعد ان انتهيت من الغسيل ونقاش حاد مع أصدقاء السكن الذي انتمي إليه.

بالضبط، خلف الكمبيوتر، والغرفة مظلمة، وبعد الانتهاء من حديث طويل مع الدكتورة منيرة مصباح في أمريكا على المسنجر.

طبعا، سأبدا بعد التفاصيل الكلاسيكية، وانا اكره الكلاسيك باستثناء بعض الأغاني المميزة...
سأقول قصتي مع البلوغرز
قبل سنة ونصف، أي بمجرد ان جئت لمصر التقيت بأحمد نصر الدين، رائع جدا، ومهتم بالصحافة البديلة وقضية المدونات، اقترحت عليه الفكرة وكان هو نفسه جاي يطرحها علي، عشان نكتبها مقال، وكتبتها مقال في موقع عشرينات، ولغاية الان، من سنة ونص لم أنشيء بلوغرز، أو مدونة...

يعني باختصار، نظرت للبلوغر أو المدونات دون ان أصنع مدونة...
ليش برأيكم؟
سؤال سهل وصعب معا، كل واحد فينا عنده هاي العقدة...أو الاشكالية
بين الكلام والفعل وما تجر من متواليات لفظية وتناقض على أرض الواقع...

ما لم أقله أن هذه المدونة العاشرة التي اصنعها وكل مدونة لا تعجبني كنت تركها...
يعني مجزرة مدونات على غرار مجزرة الدبابات التي نفذتها المقاومة اللبنانية في الجنوب..

فمثلا، عملت مدونات تحت الاسماء التالية:
"بنات اخباري"
"بنات أفكاري"
"الكتابة...فعل حب"
"الدلو مليء"
"طريق سعيد"
............. الخ
وكل مدونة كنت الغيها لسبب، كنت أريد مدونة كما أرسمها في خيالي...
وما زلت ابحث عنها
وكنت اتابع مدونات كثيرة، وكثيرة جدا، أقرا وأغبط اصحابها على رضاها بمدوناتهم الجميلة وتفاعلهم معها...

اليوم قررت أن لا أنام إلا واكون صانع مدونتي...
"طريق سعيد.. او أقل"
ربما طريقي أنا، وربما الطريق السعيد الذي احلم به لي ولكم، وهذه الأقل مهمة جدا، ضرورية، ركزوا عليها جيدا...
ادعو معي ان يوفقها الله... واتوفق فيها...

طيب السؤال: لماذا اليوم تحديدا اقرر، هل نزل الوحي علي، أم ان همتي تضاعفت، ام وأم وأم وأم....
القصة اني التقيت بالدكتور العزيز أحمد عبد الله، هو، بالمناسبة، من الأشخاص القلائل الذين يمتلكون سؤال الكيف؟
هو طاقة، روعة، كتلة من العمل والفعل والتنظير معا...
تحدثنا في حوار صحفي عن العدوان على لبنان وما الذي كشف لنا بتوالي تداعيات الاعتداء على لبنان، لبنان فتح الباب، لحظة كاشفة وفارزة، لم أدخل في السياسية مع د. احمد عبد الله إلا قليلا، كان همي هو كيف يشعر الشباب باللحظة، وما يجب أن نقول لهم، شباب وشابات، لقد جاء دوركم، الدور قادم، وهاهو وصل، انكشف كل شيء، اليوم والعصر هو عصر الشعوب والشباب...

قلت له قبل الحوار اريد الشاب عندما يقرأ الحوار يدرك ما الذي تغير، وكيف يمكن ان يغير بدوره، وما مساحة فعله، وكيف...
هو سؤال الكيف الذي أخبرتكم عنه...
طبعا د. احمد شجعني بطرق غير مباشرة...
لا يليق أن أقول وأجرى حوار عن دور الشباب الشعبي الجديد وانا ابقي أمارس عملي كمحرر ثقافي فقط، أي اعمل في إطار الوظيفة التي أحبها...
قلت انا أحب أشياء كثيرة غير الوظيفة... الكتابة هي فعل حب، والناس أحبهم، فلأكتب لهم حتى تكتمل المعادلة...
وفعلا ها أنذا أكتب لكم..

* * *

هناك قصة "كاتيا ناصر"، ستقولون ما دخلها...؟
أقول انها مراسلة الجزيرة التي ابهرتني بقدرتها الصحفية العالية، كانت رائعة في تأدية واجبها وكشفها عن مناطق الألم الانساني وتناقضات كل شيء في تقاريرها على الجزيرة...
كانت انسانة وصحفية معا
وعاهدت نفسي ان أكتب عنها، وساحاول الاتصال بها كي أشكرها، فمن يستحق الشكر يجب أن نقوله له...
نحن نراقب، ويجب ان ننقل ردودنا لمن نراقبهم...
كاتيا هذه الرائعة لها مقالها الخاص وروحها الخاصة وسلامها الخاص مني...

طبعا بكتب وأنا مليء بالأفكار، وهنا اشعر بالعجز عن الكتابة...

الان تحديدا جاء صديقي العزيز "معمر فيصل" وأخذ يحدثني عن كتاب اشتراه حديثا اسمه "لماذا يتمرد البشر"، قال كلام جميل ومهم، ربما أحدثكم عنه لاحقا أو أنشر عنه لاحقا...

لحظة، ساتوقف هنا، لكن قبل أن اختم وانا متأكد من أن الكلام ينام على حاجة ضارية أقول لكم عبارة أحبها ربما تلخص سر هذه المدونة:

"العالم مليء بالورق... لإن الكتابة فعل حب"...

هذه البداية، لعلها مثل العودة التي دوما نتمنى لها ان تكون أحمدُ...

__ انتهي __