من "الشعبوية" إلى "الشعبية" (حوار
سعيد أبو معلا**الحروب هي لحظات فارقة، استثنائية تمامًا، ومن لا يتقن الحساب فيها يدمره حدثها، والحرب السادسة على لبنان تثير أسئلة كثيرة في الذهن وعلى مستويات كثيرة.
المهم هنا، بعد أن توقفت الحرب وبدأت حرب من نوع آخر هو أن نثير الأسئلة ونقرأ الأحداث والتداعيات والاحتمالات وإمكانيات الاستفادة.
وفي هذا الحوار لن نسير بعيدًا عن دعوات الاستسلام التي رفعها بعض المثقفين، لكننا سنقترب من الناس أكثر؛ للتدقيق فيما تركته الحرب عليهم، فهم قوة الفعل الأولى بتراجع دور الدولة العربية وانسحابها.
وفي هذا اللقاء مع الدكتور أحمد عبد الله وهو ناشط في مجال مؤسسات المجتمع المدني والإعلام البديل يؤكد على نقاط كثيرة، منها أن الشرق الأوسط الجديد هو ما نريد، وبمقدار ما يرى الناس أنهم متفرجون بلا عمل بمقدار ما سيكونون وقود الحريق في الشرق الأوسط المقترح.
ويرى د. عبد الله أن من تحرك لدعم لبنان والمقاومة في الغالب ليست الكيانات التي تسمي نفسها المجتمع المدني الرسمي بل الناس، والمجتمع المدني أصبح هنا الناس.
وطالب كذلك بإعادة الاعتبار لمفهوم الجهاد حتى نتخلص من عقدة "كل شيء أو لا شيء" حتى نستوعب معاني الجهاد كافة ونمارسها.
كما يشير إلى أن ما يراد لحزب الله لن يحدده حزب الله وحده أو اللبنانيون، بل يحدده الجمهور العربي كله.
* عبارة مهمة لفتت انتباهي ربما لا يؤمن بها الغالبية تقول: "إن مستقبل المنطقة يرتبط بمستقبل العمل الشعبي"، ما رأيك؟
الشرق الأوسط الجديد هو ما نريد، وهذا يعني بالضرورة أن دور الناس والرأي العام في تحديد المستقبل كبير جدًّا. الأحداث الأخيرة أظهرت أن هناك مشروعين على الأقل، أمريكي وهو عبارة عن حملة علاقات عامة ودعاية وحرب نفسية وإعلامية، يشبه سحر فرعون حيث استرهبه الناس، وللأسف فهناك الكثير من المحللين والمنظرين يلتقطون كلمات المشروع ويأخذون بالتساؤل عن شكل الشرق الجديد، وماذا عساه يكون؟ وكأن رأي أمريكا حكمًا وقدرًا، والواقع أنها مجرد خطط ولن تطبق إلا إذا أردنا ذلك.
المشروع الأمريكي واضح، يتحرك في العراق ولبنان، وعنده محاور مثل استخدام البُعْد الطائفي، وهذا واضح في العراق، ولبنان ليست بعيدة، ثانيًا: دعم الأنظمة المستبدة، وإفشال مبادرات الديمقراطية والإسلام السياسي وتجاربه، وتقليم أظافر كل محاولات الممانعة.
أين الجماهير من هذا المشروع؟ أين موقعها؟ هذا هو السؤال، هي متفرجة، وتعاني وتضرب فيما يضرب، وتنهب فيمن ينهب.
المشروع الثاني نقيض الأول، له بدايات، وحجر الزاوية فيه هو الناس، والرهان فيه على الوعي، والمطلوب أن تلتف الجماهير حول بدايات مشروع المقاومة وتحتضنه، بحصول ذلك سنكون أمام شكل عملي لمشروع آخر، وهو ليس بعيدًا عن نقاط المقاومة مثل حزب الله وحماس، وليس بعيدًا عن الجهود السياسية الإسلامية في أماكن مختلفة.
دور الناس يمتد لمساحة الفعل عبر اجتهادات ومبادرات كالدعم المادي والمعنوي والإعلام الشعبي، وكل ما يندرج تحت عنوان "الجهاد المدني". وبمقدار الوعي والتحرك بمقدار ما نساهم في صياغة هذا المشروع، وبمقدار ما يرى الناس أنهم متفرجون بلا عمل بمقدار ما يكونون وقود الحريق في الشرق الأوسط المقترح.
حتى الآن هناك بدايات واعدة وجيدة لتحرك الجمهور، لكن هناك أفكار مسمومة وملغّمة من قبيل شيعة وسنة، أو أن لبنان بلد الفساد والدعارة، أو أن الفلسطينيين باعوا بلدهم، وهي أفكار تطفو في هذا الوقت. وبالتالي علينا الاستمرار بالفرز والتوعية، والفلترة والتنظيم والهيكلة والتنظيم وإلا سيكون ما يخطط الغير لنا.
الناس هم المجتمع المدني
*
حديثك السابق يرتبط بالتجدد في الفعل، والتجدد يرتبط باستمرار الطاقات، كيف نضمن ذلك باستثمار فرح اللحظة؟
الفيض لا يستمر إلا إذا انتظم في مسارات، مصر عانت من فيضان النيل منذ أيام الفراعنة، ولم يستفد من النيل إلا عندما أنشئ السد العالي، وبالتالي يجب أن يكن هناك مسارات وشبكات وبرامج وعمليات وإلا سنكون مثل فيضان النيل.
كي يكون هناك سيناريو آخر غير الفيض علينا وضع سيناريو بديل نستثمر اللحظة فيه. اليوم نلحظ أن من تحرك لدعم لبنان والمقاومة في الغالب ليست الكيانات التي تسمي نفسها المجتمع المدني الرسمي، فالكيانات التي تتلقى دعمًا ولها إمكانيات، وهي مفارقة مدهشة، لم يُسمع لها صوت ولم يُرَ لها جهد، من تحرك هو الناس والمجتمع المدني أصبح هنا الناس.
* غياب دور الدولة الوطنية أبرز دورًا يتوسع الحديث عنه دون أن يشهد تفعيلاً يناسب مع حجم المصيبة، أي خيار المجتمع المدني وهو خيار مستقبلي وضرورة مُلحّة آنية يستحق الانتباه؟
اليوم نجد أن هناك كلمات بحاجة لإعادة فك وضبط شفراتها مثل: ماذا نقصد بالمجتمع المدني؟ هل نقصد الجهود الأهلية الحقيقية أم دكاكين ومؤسسات كبيرة لم تفعل شيئًا.
المجتمع الذي قام وتحرك كانت تنقصه الشبكات، قام بعمل جميل، لكنه غير منظم وغير منتظم وغير مستمر، وبالتالي السؤال: كيف يتحول الفيض بدلاً من الانحسار إلى مسار واستثمار. فالتحدي أمام تحركات مناصرة المقاومة هو الانتظام في مسارات والاستثمار في مشاريع لها صفة الدوام، دون ذلك هي مهددة بالانحسار، كما حصل مع الفيوضات الجماهيرية في الفترات السابقة.
هنا نجد أن كلمة الإسلام بحاجة لضبط، فهناك من كان تحت لافتة الإسلام ممن يمانع ويقاوم، وهناك من كان يتكلم عن شيعة وسنة ويدعو لعدم النصرة.
وحديث الطائفية هذا هو قمة رأس الجليد؛ لأنه يتلاقى مع بعض الأفكار الغريبة عن الشيعة، فالمعرفة عن الشيعة مأخوذة بطرق غير صحيحة، والمواطن يركب الفتاوى على ما يشاهد، فهو يرى أن الشيعة شيء مختلف، وهذا يردنا إلى ثقافتنا عن المختلف الذي نراه شذرًا، فيظهر الشيعة كالبطة السوداء في وسط بقية البط الأبيض، وهنا المشكلة التي تحتاج لوعي.
* هناك خلل كبير في الوعي الجماهيري فيما يتعلق بطبيعة الفعل المؤثر، حيث نبخس الأفعال الصغيرة التي تكون فعلاً كبيرًا ونطالب دومًا بفكرة الفعل الكبير والقوي، ونتناسى أن العمل المقاوم هو عمل منظومة، مؤسسي، كيف نغير ذلك في ضوء الأزمة الأخيرة؟
أنا مهتم كثيرًا بهذه الفكرة منذ مدة، وتحديدًا احتقارنا للأفعال البسيطة، نحن نفكر بمنطق كل شيء أو لا شيء، إما أن نرمي إسرائيل في البحر أو أن ننتظر ونجلس، إما أن نُستشهد في الميدان أو أن ننتظر ونندب حظنا، وهي فكرة تحمل في طياتها خطر في فهمنا لمفهوم الجهاد ذاته.
ما هو الجهاد؟ هو مفهوم بحاجة لإعادة تعريف. فهو يبدأ من جهاد النفس وينتهي بالجهاد في سبيل الله، وهذه القيمة هي ذروة سنام الإسلام، هنا نحن بحاجة لإعادة التفكير في قيمة الجهاد وطبيعة الفهم له كي يتضح الكلام السابق، سيظهر لنا بإعادة التفكير بذلك أن "من خلف غازيًا في أهله فقد غزا"، ومن يسقي بالحرب هو كمن يتقدم الجنود. "أن الله يدخل في السهم الجنة ثلاثة نفر: صانعه ومناوله وراميه". وهذا يؤكد أن الجبهة الداخلية مثل الجبهة الخارجية.
كما أن الجهاد عملية مستمرة تعيشها الأمة ليس وقت الالتحام فقط، الجهاد أدوار مختلفة فهو أولاً طريقة تفكير. وهو أدوار مستمرة، وحياة، ووجهة نظر وإدراك وعلاقة بالأشياء والماديات.
الجهاد هو علاقة بالحياة والماديات، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما قُدّم له شراب اللوز قال: "وخّروه عني إنه شراب المترفين"، وهنا سنجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم خيار الفقر الاختياري، يختار أن يعيش بحالة من التقشف وأن يكون فقيرًا وهي جزء من منظومة الجهاد، وحياة المجاهد، فالمجاهد لا يعيش في حياة ترف دنيوي، بل يجب أن يكون دومًا على استعداد للتضحية والبذل والعطاء.
الحرب على الوعي، الحرب على النفسية، كلها جوانب تتكامل لتعمل منظومة الجهاد عليها، الجهاد ممارسة في التفكير والغناء والقيام بدور إعلامي وهذا لا يكون حالة استثنائية، بل طريقة تعاطي مع الحياة. إذا فهمنا ذلك سنتخلص من بقية الأفكار السلبية. فأي فكرة وبمبادرة شخصية يمكن أن تغير مجريات الأمور في الحرب.
المواطن وحركة المشاة
* أدوار المواطن يجدر بها أن تختلف، فمثلاً: نموذج المواطن الصحفي ظهر اليوم بقوة، فهو يقوم بدور مهم كتوثيقحاجة جماهيرية، في ضوء تحول قطاعات كبيرة من الإعلام إلى أبواق كاملة للسلطة؟
يجب أن نفهم أن جزءًا مهمًّا من الحروب هو حرب إعلامية، وهي متداخلة مع الحرب النفسية، وهناك ثلاثة أنواع للقوة: الصلبة (السلاح)، الناعمة (الدبلوماسية)، والقوة الذكية، وهي التي تقرر متى نستخدم أيًّا منهما، وكيف ندير العلاقة بينهما.
الإعلام هنا جزء كبير في القوة اللينة أو الناعمة، مثلاً تلعب الصورة دورًا كبيرًا جدًّا في نقل الحدث أو تركيبه أو تزييفه، وهذا يؤثر على مجرى الحرب، فيمكن أن تكون منتصرًا على الأرض، لكن الإعلام يظهرك منهزمًا وتصبح كذلك.
السؤال هنا: ما هي إمكانياتنا الإعلامية؟ لدينا إعلام حكومي، لا فائدة منه، وإعلام يحاول أن يكون مستقلاًّ، ويقوم بدور كبير، لكنه غير كاف، وهذا الأخير أشبه بالمدفعية الثقيلة أو القصف الجوي، وأمام حقيقة أن لا معارك تحسم بالقصف الجوي، يكون لا بد من حسم المعركة بحركة المشاة. وحركة المشاة هي الإعلام الشعبي، وهي حرب شوارع وعصابات، من بيت لبيت، ومن غرفة لغرفة، ومن عقل لعقل، ومن فكرة لفكرة والمواطن هو بطلها، فيقوم بتوثيق الأفكار والأحداث ويناقشها ويتحدث عنها ويتحاور حولها ويصححها. وهناك أمثلة من المدونين في مصر قاموا بتغطية أحداث مناصرة الانتفاضة بشكل تعجز عنه مؤسسات إعلامية. فالإعلام الجماهيري لا يربح معركة وحده، والتعويل عليه فشل ذريع.
هنا نلحظ أن إسرائيل تجبرت لغياب الوعي العالمي بما يجري، لو وجد الوعي لخرجت المظاهرات بالملايين ولتغيرت الموازين، وهنا دور المشاة وإعلام المواطنين، ولا سيما أن هناك ثقة كبيرة في إعلام المواطنين، وبالتالي علينا التعامل مع الأفكار، وتوفير المعلومات لتصبح في يد الجميع.
من الشعبوية إلى الشعبية
* الخطاب العربي المضاد للخطاب الرسمي يوصف بأنه "شعبوي"، وحماسي عاطفي "هدام" لا يخرج من دائرة الشتم وبث اليأس إلى دائرة الفعل الإيجابي، ما الذي يتركه ذلك في مساحات الوعي لدى الجماهير العربية؟
الواقع هو حالة مختلطة، فيها أفكار ومشاعر بنّاءة، وأخرى سلبية. لو اعتبرنا أنفسنا أننا لسنا جزءًا من الفعل سنبقى دون عمل وممارسين للخطاب الشعبوي، أما إذا تجاوزنا ذلك من الحكي إلى الفعل، أي نتكلم ونقول ونسأل عن القول نتحول إلى ناشطين وشعبيين، أي نصبح مواطنين فاعلين وليس قوالين، ونحن نحتاج تلك النقلة.
المسألة الثانية تتعلق بالنقد الذي يوجّه إلى الخطاب الشعبي وهو من مستويين، الأول جيد وعنده حق، ومستوى سلبي يتضمن احتقار كل ما هو شعبي لمصلحة كل ما هو نخبوي.
أنا أثق في الناس وأحبهم، دوري أن أشجع العمل الإيجابي وأقوّم العمل السلبي. فعندما يتحرك الناس يجب أن أكون معهم، ناقدًا وفاعلاً ومتفاعلاً.
الكلام الحماسي والعواطف يجب أن تؤطّر وترشّّد، لمصلحة الفعل، أي من الكلام إلى إطلاق المواقف والمبادرات. وأي يقظ يجد في كلام السيد حسن نصر الله عندما قال "كفوا عنا" دعوة تلقائية لإطلاق ملايين المبادرات، كل واحد يخرج بمبادرته الخاصة؛ لتوضع على محك الفعل.
السؤال هنا وسط المبادرات الفردية الكثيرة والتحركات الشعبية هو كيف يمكن أن يستمر هذا الفعل؟ هذا الذي يخرجنا من الشعبوية إلى الشعبية.
المقاومة وانتصار اللادولة
* يبرز مما يجري أن هناك مهمة كبرى على الأحزاب أو الحركات العربية وتحديدًا تلك التي تتبنى مشاريع مقاومة كفعل مسلح وكفعل معنوي حضاري، الأحزاب العربية بدت ضعيفة فيما كان الشارع يغلي ويتألم، هناك مشكلة عميقة بين الحركات وقادتها من جهة وقواعدها الشعبية، كيف يمكن أن تؤثر الحرب إيجابًا عليها؟
بالنسبة للأحزاب، في 1994 اشتركت في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية، والمؤتمر كشف لي ولبعض المشاركين معطيين مهمين جدًّا:
الأول: أن العالم الذي في ذهننا وإدراكنا هو مختلف عما هو في الواقع، فأدمغتنا تحتوي صورة مشوهة عن الواقع، فالصورة التي نكوّنها عن العالم تكاد تكون لعالم آخر غير الذي نعيشه، وهذه فجوة في الإدراك.
ثانيًا: أننا نفتقد مهارات فك شفرات هذه العالم الذي يتحرك ويتطور، وهذا يجعلنا نجهل التعامل معه والإنجاز فيه. نحن نكاد لا نرى فرص في هذا العالم؛ لأننا لا نقرؤه، وكذلك لا نعي تحدياته، ولا نعرف لغته، ولا كيف يتحرك. فلا نعرف فك رموزه ولا نتعاطى معها، وبالتالي لا نمتلك قدرة كبيرة على التأثير.
الحرب الأخيرة كشفت ذلك بما يخص حال الحركات والأحزاب العربية والإسلامية، أما فيما يخص مقاومة حزب الله فقد تمت في إطار العالم الجديد كليًّا. والأحزاب العربية لم تَفِق على هذه الحقيقة.
ويلحظ المتابع أن الحركات والأحزاب تطرح من ضمن الكلام السائد مصطلح الدولة، وأن الحزب دولة داخل الدولة، والحزب فككها، لكن على النقيض لا يقول أحد أن انتصار المقاومة هو انتصار اللادولة، فحيثما كانت دولة ارتبطت الهزيمة بها، وهذه إشكالية على من يريد أن يحلها ويحللها ويتحدث بها البحث فيها.
إذا بدأنا من هنا نكون في العالم الجديد، عندها نكون أمام الأسئلة، ونبحث عن إجابات وحلول، فانتصار حزب الله هو جزء من العالم الجديد، أي بكيان صغير عالي الكفاءة ينتصر على كيان ضخم يمتلك أعتى الأسلحة، فانتصاره ليس خارجًا عن العالم الجديد وسننه، من يرى النصر معجزة خارقة للسنن يكون غير واعٍ لكيفيات عمل وتحرك العالم الجديد.
وحزب الله في ذلك بينه وبين بقية الحركات الإسلامية سنوات، خطابه وطريقة إخراج المعركة على الأرض والشاشة تدل على أن هؤلاء الناس هم السابقين في إدراك هذا العالم الجديد.
من يحدد مصير المقاومة؟
* لكن نلحظ ما يراد بحزب الله، بعد تجربته التي أكدت أنه ينتمي للعالم الجديد، يتكالب الداخلي عليه والعربي والعالمي؟
ما يراد لحزب الله لن يحدده حزب الله وحده أو اللبنانيون، بل يحدده الجمهور العربي، منضدة الاجتماعات في مجلس الوزراء التي يجلس عليها الفرقاء اللبنانيون، وإذا استمرت هذه المنضدة على شكلها اللبناني سيصبح لحزب الله شكل ومسار، وإذا فقدت الحوائط الأربعة وأصبحت مفتوحة على العالم العربي سيصبح لها مسار نحن نحدده معًا.
بعد الحرب حزب الله ليس شأنًا داخليًّا لبنانيًّا، بل شأن العرب والأمة جميعًا، لبنان دفع ثمن هذه الحرب عن الأمة، وبالتالي لبنان لا يجب أن يدفع كل مرة فاتورة المواجهة لوحده. فشأنه أكثر أهمية من أن يترك للبنانيون أن يقرروا وحدهم.
وهم بالمناسبة لم يكونوا لوحدهم، هم دولة مواجهة صحيح، لكن الحرب كانت موجهة لكل العرب والمسلمين، وهنا إعمار لبنان وإنقاذه اقتصاديًّا هو مسئولية كل العرب. هنا جميعنا يجب أن نسافر إلى لبنان، هذا حق وواجب لنساهم في إعماره، والمسألة هنا ليست وضع يد، بل واجب.
* ماذا عن الوعي بذلك، ومن ثَم ترجمته لممارسة حقيقية؟
المسألة تبدأ بالإدراك، إذا أدركت أن لك نصيبًا في تحديد مصير حزب الله سيكون لك ذلك، وإذا لم تدرك فلن يكون.
في البرمجة اللغوية العصبية هناك قواعد، منها: "إذا كنت تعتقد أنك تستطيع فأنت على حق، وإذا اعتقدت أنك لا تستطيع فأنت على حق أيضًا". هنا كيف يمكن تغيير الإدراك، ليتطور ليشمل الدور والتكوين، أي المسافة بين الوعي والفعل.
ما حدث في لبنان وجّه للعرب جميعًا لكسر إرادتهم جميعًا، وبالتالي كل حجر تفتت يجب أن يُبنى ويعود أفضل مما كان، وهذه مهمة كل عربي ومسلم، ومن لا يفهم ذلك ليس لديه مروءة.
* نموذج حزب الله ناجح، ومُعَدّ ومنظم، كيف يؤثر هذا النموذج على وعي الجماهير؟
حزب الله نموذج ودرس مُوحي في عدة أشياء، فهو حزب قارئ للعالم الجديد، مثلاً: الاجتماع الدولي الوحيد الضخم الذي كان لمنظمات مناهضة الحرب كان في لبنان، وكان حزب الله طرفًا أساسيًّا فيه.
ومن خلال زيارتي للبنان وحواراتي الكثيرة أقول إن حزب الله من أوائل الثمانينيات بنى شبكات اجتماعية وأهلية، كما أسّس مصداقية على الأرض. فمن ضمن أساليب تأسيس شرعيته أسس لشبكة خدمات على الأرض كرعاية الشهداء، ومدارس ومستشفيات وتكافل اجتماعي... إلخ.
وفي الحرب لم يكن المواطن وحيدًا في العراء، بل كان تحت مظلة من الشبكات الخدماتية، كما كوّن طاقات بشرية يمكن أن تقدم رسالته، فلديه قناة فضائية، إذاعة، وصحف، وهذا ظهر بالحرب، فلم يكن يقاوم المقاتلون في الميدان، بل كل شبكات الحزب خاضت المعركة.
المواطن بين المعاني والمباني
* بشاعة ما حدث كيف يؤثر على الذاكرة الجمعية وإدراكها لمنطق ما يجري حولها، حيث يحاول العدو أن يشكل التاريخ بنفس الأمثولات القديمة من وحشية وبربرية وقصف وتدمير؟
العدوان تركّز على ما استطاع أن تصل إليه يديه، وهو المباني، وهذه يمكن تجاوزها، المشكلة تكون إذا وصل التدمير للمعاني وأصابها بضرر كبير.
إذا منحنا المباني قيمة واعتبار حتمًا سيؤثر علينا تدميرها، وسيصل الدمار لنفوسنا، وهذا يرجعنا لمفهوم الجهاد، فإذا احتل البيت في داخلك شيء كبير فإنك ستتأثر لذلك لو تدمر، وهنا يُعَدّ الجهاد منظومة تفكير متكاملة تجاه الحياة.
ومن يبني البيوت والأسواق بشكل لا يستطيع أن يتحمل هدمها سيعاني في أي مواجهة، كون المباني تحتل أجزاء كبيرة من نفسه ووجدانه. وبمقدار ما يستطاع التقليل من ارتباط المعاني والمباني يزداد تماسك المجتمع اللبناني حول المعاني ويبني المباني، سلامة المعاني ضروري وهذا مرتبط بالثقافة والمنظومة. مسألة الدعم المادي والمعنوي تقود إلى التقليل من أثر التدمير على الإنسان.
المعركة بدأت، توقفت عسكريًّا وازدادت مدنيًّا، ومن كان ينظر للبنان لا يفترض به أن يشيح بنظره عنه بعد انتهاء الحرب، بل يجب أن نتوجه إليه دومًا، فالأدوار الكثيرة بدأت بعد أن توقفت الحرب.
* نصيحة بديلة تطرحها للشباب العربي فيما يتعلق بالبحث عن مساحات جديدة يمكن أن يجد فيها نفسه ويدعم القضية التي يدافع عنها ويريد لها أن تنتصر؟
حرب لبنان يمكن أن تكون مقدمة لعالم عربي أفضل بكثير مما حلمنا به، بدايات هذا كثيرة، لكن هذه البدايات والفيوضات والومضات تحتاج إلى محاضن وخطط وخرائط وعمليات حتى يمكن أن تتطور وتزدهر وتتنامى.
كل من هو معجب بالواقع الذي نعيشه "حلال عليه"، وليستمر بنمط حياته، وكل من لا يعجبه هذا الواقع له بالمقاومة سهم ونصيب، ويجب أن يذهب ويأخذهما. هذه دعوة لكل من لا يرضى عن واقعنا الصعب فلهم مما حدث حكم ونصيب، فعل وتفاعل، فرح وابتهاج.
أختم بجملة كتبت على غلاف مجلة "الشراع اللبنانية" بعد تحرير الجنوب وكان غلافها يقول: "أما زال النصر ممكنًا؟" ما حدث في الحرب الأخيرة يجيب على هذا السؤال لمن يعنيهم الإجابة، ومن هو معني نقول له إن النصر ممكن.. وحصل، ولكن، هناك معاني كثيرة لاستثمار هذا النصر.




